و نوفل بن عبد اللّه ومرداس تلبسوا للقتال وهيجوا غيرهم وأرادوا اقتحام المدينة ، فلما رأوا الخندق قالوا هذه مكيدة لم تعرفها العرب ، وبعد أن تراشقوا بالنبل اقتحموا الخندق بخيولهم ، فقام صلّى اللّه عليه وسلم ونفر من المسلمين وقال علي لعمرو انك كنت تعاهد اللّه أن لا يدعوك رجل إلى خصلتين إلا أخذت إحداهما ، قال أجل ، قال إني أدعوك إلى الإسلام ، قال لا ، قال أدعوك للنزال ، قال يا ابن أخي لا أحب قتلك ، فقال علي واللّه اني أحب قتلك ، فقال إذا أنازلك ، وعظم ذلك على المسلمين لما يعلمون من شدة بطش عدو اللّه عمرو وخوفهم على عليّ ، فبرز له رضي اللّه عنه وقالوا خرج الإسلام كله إلى الكفر كله ، فوفّق اللّه عليا وقتل عمرا ومعه رجلان قتلهما أيضا وهزم بقية أصحابه ، وبقي جسد نوفل بن عبد اللّه بالخندق ، فسأل قومه الرسول أن يبيعهم جثته ، فسمح لهم بها مجانا في ساعة هم أحوج فيها لكل شيء ، ولا جرم فهو معدن السماح وأصل الفضل ، وجرح سعد بن معاذ وصار يقول والحربة في يده لا بأس بالموت إذا حان الأجل ، وقال اللهم إن أبقيت شيئا من عرب قريش فأبقني أجاهد من آذى رسولك ، وإلا فاجعلها لي شهادة ، ولا تمتني حتى تقر عيني في قريظة ، قال محمد بن إسحاق كانت صفية بنت عبد المطلب في قارع حصن حسان بن ثابت وكان مع النساء والصبيان ، قالت فمرّ بنا يهودي ، فقلت يا حسان لعله يدل على عورتنا فدونك اقتله ، قال لقد عرفت ما أنا لذلك ، قالت فاعتمرت وأخذت عمودا فنزلت فقتلته ، قالت فقلت يا حسان تعال فاسلبه لأنه رجل ، قال مالي بسلبه حاجة ، وذلك لشدة جبنه خشي أن يحيا أن يكون به رمق حياة فيقاومه ، وما أشبه جبن حسان بجبن أبي دلامة إذ يقول:
وفي الهيجاء ما جرّبت نفسي ولكن في الهزيمة كالغزال
وقال آخر في غيره:
إذا صوت العصفور طار فؤاده وليث شديد الناب عند الثرائد