ولما كان تكرار مشاهدتهم لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علماً بالله تعالى ، دل على ذلك بقوله ، لافتاً الكلام إلى سياق العظمة تنبيهاً على عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة ، مؤكداً له غاية التأكيد ، تنبيهاً على أنه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة بالمواعظ ، معبراً بأداة الشك ، تنبيهاً على أن إنعامه أكثر من انتقامه ، مؤكداً بالقسم لإنكارهم الكفر: {ولئن أرسلنا} بعد وجود هذا الأثر الحسن {ريحاً} عقيماً {فرأوه} أي الأثر ، ويجوز أن يكون الضمير للريح من التعبير بالسبب عن المسبب {مصفراً} قد ذبل وأخذ في التلف من شدة يبس الريح إما بالحر أو البرد {لظلوا} أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبداً وإن كان"ظل"معناه: دام نهاراً ، وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو"ليظللن والله"تأكيداً لتحقيقه ، ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر ، ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال: {من بعده} أي بعد اصفراره {يكفرون} بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما تكرر من تعرفه سبحانه إليهم بالإحسان ، بعد ما التقت حلقتا البطان ، وكان وكان فلا هم عند السراء بالرحمة شكروا ، ولاعند الضراء بالنقمة صبروا ، بل لم يزيدوا هناك على الاستبشار ، ولا نقصوا هنا شيئاً من تجديد الكفر والإصرار ، فلم يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة ، ولم يسبقوا في إزاله النقم ، ولا إنالة النعم ، فكانوا أضل من النعم.