وقال الشعبيّ: لم تمض تلك المدّة حتى غلبت الروم فارس ؛ وربطوا خيلهم بالمدائن ، وبنوا رومِيَة ؛ فقَمَر أبو بكر أبَيًّا وأخذ مال الخَطَر من ورثته ، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم:"تصدّق به"فتصدّق به"وقال المفسرون: إن سبب غلبة الروم فارس امرأةٌ كانت في فارس لا تلد إلا الملوك والأبطال ، فقال لها كسرى: أريد أن أستعمل أحد بنِيك على جيش أجهزه إلى الروم ؛ فقالت: هذا هُرْمُز أرْوَغ من ثعلب وأحذر من صقر ، وهذا فَرُّخان أحدّ من سِنان وأنفذ من نَبْل ، وهذا شهر بزان أحلم من كذا ، فاخْتَر ؛ قال فاختار الحليم وولاّه ، فسار إلى الروم بأهل فارس فظهر على الروم."
قال عكرمة وغيره: إن شهر بزان لما غلب الروم خرّب ديارها حتى بلغ الخليج ، فقال أخوه فَرُّخان: لقد رأيتني جالساً على سرير كِسرى ؛ فكتب كسرى إلى شهر بزان أرسل إليّ برأس فرخان فلم يفعل ؛ فكتب كسرى إلى فارس: إني قد استعملت عليكم فرُّخان وعزلت شهر بزان ، وكتب إلى فَرُّخان إذا ولي أن يقتل شهر بزان ؛ فأراد فَرُّخان قتل شهر بزان فأخرج له شهر بزان ثلاث صحائف من كسرى يأمره بقتل فرُّخان ، فقال شهر بزان لفرخان: إن كسرى كتب إليّ أن أقتلك ثلاث صحائف وراجعته أبداً في أمرك ، أفتقتلني أنت بكتاب واحد؟ فرد المُلْك إلى أخيه ، وكتب شهر بزان إلى قيصر ملك الروم فتعاونا على كسرى ، فغلبت الروم فارس ومات كسرى.
وجاء الخبر إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم الحديبِية ففرح من معه من المسلمين ؛ فذلك قوله تعالى: {الم * غُلِبَتِ الروم * في أَدْنَى الأرض} يعني أرض الشام.
عكرمة: بأذرعات ، وهي ما بين بلاد العرب والشام.
وقيل: إن قيصر كان بعث رجلاً يدعى يحنّس وبعث كسرى شهر بزان فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى بلاد الشام إلى أرض العرب والعجم.
مجاهد: بالجزيرة ، وهو موضع بين العراق والشام.
مقاتل: بالأردنّ وفلسطين.
و"أدنى"معناه أقرب.