قال القاضي أبو محمد: وهذا أبدع ونظيره قول الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم"هذا الذي يهديني السبيل"الحديث ، فمشى عليه السلام حتى ورد {مدين} أي بلغها ، و"وروده الماء"معناه بلغه لا أنه دخل فيه ، ولفظ"الورود"قد تكون بمعنى الدخول في المورود ، وقد تكون الإطلال عليه والبلوغ إليه وإن لم يدخل فيه فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه ، وهذه الوجوه في اللفظة تتأول في قوله تعالى {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71] ، و {مدين} لا ينصرف إذ هي بلدة معروفة ، و"الأمة"الجمع الكثير ، و {يسقون} معناه ماشيتهم ، و {من دونهم} معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها فوصل إلى"المرأتين"قبل وصوله إلى الأمة وهكذا هما {من دونهم} بالإضافة إليه ، و {تذودان} معناه تمنعان وتحبسان ، ومنه قوله عليه السلام"فليذادن رجال عن حوضي"الحديث ، وشاهد الشعر في ذلك كثير ، وفي بعض المصاحف"أمرأتين حابستين تذودان"، واختلف في المذود ، فقال عباس وغيره {تذودان} غنمهما عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء ، وقال قتادة {تذودان} الناس عن غنمهما ، فلما رأى موسى عليه السلام انتزاح المرأتين {قال ما خطبكما} أي ما أمركما وشأنكما ، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في مصاب أو مضطهدٍ أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما ، وأن أباهما {شيخ كبير} فالمعنى أنه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا يقدران على مزاحمة الأقوياء وأن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى ، وحينئذ تردان ، وقالت فرقة كانت الآبار مكشوفة وكان زحم الناس يمنعهما ، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زحم الناس وغلبهم على الماء حتى سقى ، فعن هذا الغلب الذي كان منه ، وصفته إحداهما بالقوة ، وقالت فرقة: بل كانت آبارهم على أفواهها حجارة كبار وكان ورود المرأتين تتبع ما