والقصة الثانية تعرض قيمة المال , ومعها قيمة العلم . المال الذي يستخف القوم وقد خرج عليهم قارون في زينته , وهم يعلمون أنه أوتي من المال ما إن مفاتحه لتعيي العصبة من الرجال الأقوياء . والعلم الذي يعتز به قارون , ويحسب أنه بسببه وعن طريقه أوتي ذلك المال . ولكن الذين أوتوا العلم الصحيح من قومه لا تستخفهم خزائنه , ولا تستخفهم زينته ; بل يتطلعون إلى ثواب الله , ويعلمون أنه خير وأبقى . ثم تتدخل يد الله فتخسف به وبداره الأرض , لا يغني عنه ماله ولا يغني عنه علمه ; وتتدخل تدخلا مباشرا سافرا كما تدخلت في أمر فرعون , فألقته في اليم هو وجنوده فكان من المغرقين .
لقد بغى فرعون على بني إسرائيل واستطال بجبروت الحكم والسلطان ; ولقد بغى قارون عليهم واستطال بجبروت العلم والمال . وكانت النهاية واحدة , هذا خسف به وبداره , وذلك أخذه اليم هو وجنوده . ولم تكن هنالك قوة تعارضها من قوى الأرض الظاهرة . إنما تدخلت يد القدرة سافرة فوضعت حدا للبغي والفساد , حينما عجز الناس عن الوقوف للبغي والفساد .
ودلت هذه وتلك على أنه حين يتمحض الشر ويسفر الفساد ويقف الخير عاجزا والصلاح حسيرا ; ويخشى من الفتنة بالبأس والفتنة بالمال . عندئذ تتدخل يد القدرة سافرة متحدية , بلا ستار من الخلق , ولا سبب من قوى الأرض , لتضع حد للشر والفساد .