وقد وصف الله عنادهم بقوله: {وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} .
200 -203 - {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} :
المراد من المجرمين: مشركو مكة، وقد يراد من المجرمين: جنس المجرمين. فيدخل فيه مشركو مكة دخولًا أَوليا.
والمعنى: مثل هذه الحال من الإصرار على التكذيب والكفر بالقرآن سلكنا القرآن وأدخلناه في قلوب المجرمين، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحود ومكابرة كما قال تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) } ، قوله سبحانه وتعالى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} أي: لا يزالون على الكفر حتى يبصروا العذاب الشديد الملجئ إلى الإِيمان به.
أو المراد: أَدخلنا القرآن في قلوب المجرمين، ففهموا معانيه، وعرفوا فصاحته، وأنه خارج عن قدرة البشر من حيث النظم المعجز، والإِخبار عن الغيب, واتفاق علماء بني إسرائيل على أن كتبهم المنزلة قبله تضمنت البشارة بإِنزاله، ورسالة من أُنزل عليه بذكر أوصافه.
أدخلنا القرآن مثل ذلك الإِدخال، لكنهم لم يؤمنوا به، فقوله تعالى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} على هذا الرأَى استئناف مسوق لبيان حالهم من أنهم لا يتأَثرون بأَمثال تلك الأُمور الداعية إلى الإيمان به، بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب المكرِه لهم على الإيمان فجأَة من غير توقع وانتظار وهم لا يشعرون بإِتيانه.
وقرئ: فتأَتيهم بالتاء، والمراد: فتأْتيهم الساعة، وأُضمرت لدلالة العذاب الواقع فيها عليهم، ولكثرة ما في القرآن من ذكرها.