8 -إن فهم قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً إن فهم هذه الآية على الكمال والتمام متوقف على فهم دورة المياه العالمية، وفهم خصائص ماء البحار والأنهار، وكلما عرف الإنسان سرا من أسرار ذلك أدرك شيئا من حكمة الله في هذا الموضوع، وأدرك مظهرا من مظاهر علم الله وقدرته وعنايته بهذا الإنسان.
9 -في قوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً معنى عميق جدا، وسر من أسرار كفر الكثيرين، إن كثيرين من الناس يعللون الأشياء على أنها ظواهر طبيعية، فالمطر ينزل بسبب مجموعة من العوامل الطبيعية، والنبات يخرج بسبب مجموعة من العوالم الطبيعية، ونحن لا ننفي القوانين والأسباب، ولكنا نقول إن كل شيء بعلم الله وإرادته وقدرته، فإن يزعم زاعم أنه لا تدخل لله في ظواهر الكون
فذلك كفر، والآية في شطرها الأخير تشير إلى هذا النوع من الكفر. قال عكرمة:
يعني الذين يقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة ورد في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على إثر سماء أصابتهم من الليل «أتدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب» .
10 -قلنا في أكثر من مكان في هذا التفسير إن الحادثة الواحدة قد يكون لها سبب حسي وسبب غيبي، وإن كل الأسباب الحسية والغيبية إنما هي بعلم الله وإرادته