ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال: إطلاق الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير يستدعي الفكر والحسبان وهي مسألة خلافية بينه وبين الله تعالى القائل: {هُوَ الله الخالق البارىء} [الحشر: 4 2] وبقول الله تعالى أقول ، والموصول الثاني عطف على المنصوب فِي {خَلَقَكُمْ} و (قبل) ظرف زمان بكثرة ومكان بقلة ويتجوز بها عن التقدم بالشرف والرتبة ، والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم من تقدمهم فِي الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم وفي هذا تذكير لكمال جلال الله تعالى وربوبيته وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى ، وقدم سبحانه التنبي على خلقهم وإن كان متأخراً بالزمان لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولاً على أنفسهم آكد وأهم ، وأتى بالخلق صلة والصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب عند المخاطب ، ولذا يعرف الموصول عنده بما فيها من العهد ، واشترطت خبريتها إشارة إلى أنه ليس فِي المخاطبين من ينكر كون الخالق هو الله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ} [الزخرف: 7 8] أو {مِنْ خلاق السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله} [الزمر: 8 3] وانفهام ذلك من الوصف بناء على ما قالوا الإخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار مما قاله بعض المحققين وإن كان هناك من لا يعلم أن الله تعالى خالقه وخالق من قبله احتيج إلى ادعاء التغليب أو تنزيل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين فتخرج الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر ، وقرأ ابن السميفع (وخلق من قبلكم) وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والذين من قبلكم بفتح الميم ، واستشكل لتوالي موصولين والصلة واحدة وخرجت على جعل (من) تأكيداً للذين فلا يحتاج إلى صلة نحو قوله:
من النفر اللائي الذين إذا هم...
تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا