ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدثَّه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهداء عند الله ، وكان في يده تمرات أو في فمه يمضغها ، فقال: يا رسول الله ، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فأُقتل في سبيل الله؟ قال: نعم ، فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة .
كأنه استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مَضْغ التمرات . فإلى هذه الدرجة بلغ يقينُ هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله .
ونلحظ في هذه الآية: {حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ الموت . .} [المؤمنون: 99] هكذا بصيغة المفرد {قَالَ رَبِّ ارجعون} [المؤمنون: 99] جاء بالجمع على سبيل التعظيم ، ولم يقل: ربِّ ارجعني ، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
فهنا الحق - تبارك وتعالى - يُعظِّم ذاته ، لكن هذا يُعظِّم الله الآن ، وهو في حال الاحتضار ، وقد كان كافراً به ، وهو في سَعَة الدنيا وبحبوحة العيش .
أو: أنه كرر الطلب: أرجعني أرجعني أرجعني ، فجمعها الله تعالى . أو: أنه استغاث بالله فقال: ربّ ثم خاطب الملائكة: ارجعون إلى الدنيا .
لكن ، لماذا الرجوع؟
{لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} أي: أنني تركتُ كثيراً من أعمال الخير ، فلعلِّي إنْ رجعتُ بعد أنْ عاينتُ الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات ، أو لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركتُ ، لأنني ضننْتُ بمالي وبمجهودي وفَضْلي على الناس ، وكنْزتُ المال الكثير ، وتركتُه خلفي ثم أُحاسب أنا عليه ، فإنْ عُدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة .