والوجه أن (حتى) متصلة بقوله {وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون} [المؤمنون: 95] .
فهذا انتقال إلى وصف ما يلقون من العذاب في الآخرة بعد أن ذكر عذابهم في الدنيا فيكون قوله هنا {حتى إذا جاء أحدهم الموت} وصفاً أُنُفا لعذابهم في الآخرة.
وهو الذي رجحنا به أن يكون ما سبق ذكره من العذاب ثلاث مرات عذاباً في الدنيا لا في الآخرة.
فإن حملتَ العذاب السابق الذكر على عذاب الآخرة كان ذلك إجمالاً وكان قوله {حتى إذا جاء أحدهم الموت} إلى آخره تفصيلاً له.
وضمائر الغيبة عائدة إلى ما عادت عليه الضمائر السابقة من قوله {قالوا أإذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون} [المؤمنون: 82] إلى ما هنا وليست عايدة إلى الشياطين.
ولقصد إدماج التهديد بما سيشاهدون من عذاب أعدّ لهم فيندمون على تفريطهم في مدة حياتهم.
وضمير الجمع في {ارجعون} تعظيم للمخاطب.
والخطاب بصيغة الجمع لقصد التعظيم طريقة عربية ، وهو يلزم صيغة التذكير فيقال في خطاب المرأة إذا قصد تعظيمها: أنتم.
ولا يقال: أنتن.
قال العرجي:
فإن شئتتِ حرَّمتُ النساء سواكم
وإن شئتتِ لم أطعم نُقاخاً ولا بردا...
فقال: سواكم ، وقال جعفر بن علبة الحارثي من شعراء الحماسة:
فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم
لشيء ولا أني من الموت أفرق...
فقال: بعدكم ، وقد حصل لي هذا باستقراء كلامهم ولم أر من وقَّف عليه.
وجملة الترجي في موضع العلة لمضمون {ارجعون} .
والترك هنا مستعمل في حقيقته وهو معنى التخلية والمفارقة.
وما صدق {ما تركت} عالم الدنيا.
ويجوز أن يراد بالترك معناه المجازي وهو الإعراض والرفض ، على أن يكون ما صدق الموصول الإيمان بالله وتصديق رسوله ، فذلك هو الذي رفضه كل من يموت على الكفر ، فالمعنى: لعلي أسلم وأعمل صالحاً في حالة إسلامي الذي كنت رفضته ، فاشتمل هذا المعنى على وعد بالامتثال واعتراف بالخطأ فيما سلف.
ورُكب بهذا النظم الموجز قضاءً لحق البلاغة.