قال الحسن: همز الشيطان: الموتة، والموتة: غشيان القلب، روي في الخبر عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يتعوذ من الشيطان الرجيم، قال:"في همزه، ونفخه، ونفثه".
وقَالَ بَعْضُهُمْ: همزاته ونزغاته: واحد.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ همزات الشياطين: نخسها وطعنها، ومنه قيل للعائب: هُمَزة؛ كأنه يطعن ويعيب.
وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: همزات الشياطين: وساوسهم، يقال: همز يهمز همزًا، أي: وسوس، ومن وجه آخر: همز يهمز همزا، أي: عاب يعيب، ومنه قوله: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) .
ثم في قوله: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) إلى آخر ما ذكر وجهان على المعتزلة:
أحدهما: أنه أمر رسوله أن يتعوذ به مما ذكر؛ فدل أن عنده لطفا لم يعطه: ما لو أعطاه اللَّه لدفع به ما ذكر وأنه مالكٌ لذلك؛ إذ لو كان غيره مالكًا لذلك يخرج السؤال به مخرج الهزء به؛ إذ من طلب من آخر شيئا يعلم أنه ليس عنده ذلك خرج ذلك الطلب مخرج الهزء به؛ فعلى ذلك هذا.
والثاني: أن كل مأمور بالتعوذ جعل اللَّه له الإعاذة مما يتعوذ منه.
فالوجهان جميعًا ينقضان على المعتزلة في قولهم: إن اللَّه قد أعطى كلا الأصلح في الدِّين، وأعطى كلا العصمة عن كل زيغ وضلال.
وقوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)
ظاهر هذا أن يكون قوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) بعد الموت، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم، إلا أن أهل التأويل قالوا: إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت، وعند هجومه عليهم بأهواله؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا، والأول أشبه وأقرب.