وفي موضع آخر يعطينا ثمرة هذا التصرُّف الإيماني: {فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] ولو تأملتَ معنى هذه الآية لوجدتَ أن المجازاة من الله ، وليست ممّنْ عاملْتَه هذه المعاملة ؛ لأن الله تعالى يقول: {كَأَنَّهُ . .} [فصلت: 34] ولم يقل: يصبح لك ولياً حميماً .
ذلك لأنك حين تدفع بالتي هي أحسن يخجل منك صاحبك ، ويندم على إساءته لك ، ويحاول أنْ يُعوِّضك عنها فيما بعد ، وألاَّ يعود إلى مثلها مرة أخرى ، لكنه مع كل هذا لا يُسمَّى ولياً حميماً ، إنما هو ولي وحميم ؛ لأنه كان سبباً في أنْ يأخذك ربك إلى جانبه ، ويتولاك ويدافع عنك .
لذلك لما شتم أحدهم الحسن البصري وسبَّه في أحد المجالس ، وكان في وقت رُطَب البلح أرسل الحسن إليه طبقاً من الرُّطَب وقال لخادمه: اذهب به إلى فلان وقُلْ له: لم يجد سيدي أثمن من هذا يهديه إليك ، وقد بلغه أنك أهديت إليه حسناتك بالأمس ، وهي بلا شك أعظم من هديتي تلك .
إذن: من الغباء أن نتناول الآخرين بالهَمْز واللمز والطعن والغيبة ؛ فإنك بهذا الفعل كأنك أهديتَ لعدوك حسناتك ، وأعطيتَ أعظم ما تملك لأبغض الناس إليك .
ألاَ ترى موقف الأب حين يقسو على ولده ، فيستسلم له الولد ويخضع ، أو يظلمه أخوه فيتحمل ظُلْمه ولا يقابله بالمثل ، ساعتها يحنو الأب على ولده ، ويزداد عطفاً عليه ، ويحرص على ترضيته ، كذلك يعامل الحق - تبارك وتعالى - العباد فيما بينهم من معاملات - ولله المثل الأعلى . لذلك قلنا: لو علم الظالم ما أعده الله للمظلوم من الجزاء لَضنَّ عليه بالظلم ؛ لأنه سيظلمه من ناحية ، ويُرضيه الله من ناحية أخرى .