للسائل أن يسأل: ما الذي أوجب في الأولى: {لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، وفي الثانية:
{لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} ؟
الجواب أن يقال: إن القصة الأولى وإن خرجت عن لفظ التنكير فقال: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} فإنه معلوم من المراد بالرسول وبالمرسل عليهم، فدل على ذلك بأن قال: أهلكتهم الصيحة، وهم قوم صالح عليه الصلاة والسّلام، فلما كان في أقوام معلومين أتى بذكرهم معرفة فقيل: {بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} وخص وصفهم بالظلم لأنه شيء عاملوا به غيرهم، وعاملوا به أنفسهم لتكذيبهم الرسل، وظلمهم لهم بنسبتهم إلى ما هم منزهون عنه، ثم هم ظالمون لأنفسهم إن منعوها ما عرضوا له من نعيم الأبد والثواب السرمدي. وأما قوله: {فَبُعْداً لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} فإنه جاء بعد خاتمة قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ} فلم يبين بالمعنى من المراد كما بين في الأولى، وكانوا منكورين للمسلمين، فلما أمرهم بلفظ الدعاء عليهم استعمل فيهم ما استعمل فيمن لم يتعين ولم يشتهر فنكر اللفظ، فقال: لقوم لا يؤمنون أي: أهلك الله كل قوم لا يؤمنون عند ظهور آيات الله لهم، ووجوب حجة الله تعالى عليهم، والمعنى: بعدا لكل قوم أليق بقوله: {كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ}
فأخبر خبرا عاما وأمر أن يدعى عليهم دعاء عاما، فوجب في كل موضع ما جاء فيه دون الآخر.
الآية الرابعة منها
قوله تعالى: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}