وقد رأينا في سورة الأنبياء تعريفا للمتقين هو: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (الآيتان 48، 49) وهو في الحقيقة يشبه تعريف سورة البقرة، إلا أنه يبرز معنى مستكنا في قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ فالإيمان بالغيب يقتضي خشية من الله، وإشفاقا من الساعة، ومن ثم نلاحظ أن سورة الحج فصلت في مثل
هذه المعاني الكثيرة فهي دلت على طريق التقوى، وفصلت في ماهية التقوى وعلاماتها وآثارها.
وفي عملية تفصيل قضية التقوى، وتحديد مشاعر المتقين، وبعض شعائرهم، عرضت السورة لقضية مهمة وهي وحدة المتقين، ووحدة هدفهم، وضرورة سيرهم في طريق الصراع مع الكفر، فالنصر الرباني موعود به المتقون؛ إذا تحققوا بمواصفات خاصة، هذه المواصفات ضرورية كيلا تفسد الأرض، فمن طلب النصر الرباني بدون تحقيق الشروط في نفسه من المسلمين، أو عجب من عدم نزول النصر دون بذل وعطاء، وتحقق وفداء، وعمل مشترك مستقيم، فإنما هو من الجاهلين، ومن ارتد استبطاء للنصر فإنه من الكافرين، وهذا كله عرض في السورة.
ولما كانت نقطة البداية في السير نحو التقوى هي عبادة الله، ولما كانت نقطة الانحراف الكبرى هي عبادة غير الله، فقد ختمت السورة في تفنيد عبادة غير الله، كما ختمت بتحديد مجموعة الأمور التي هي من التقوى، أو من الطريق الموصل إليها، أو من المعاني التي تبعث على السير، إن شعور المسلم بالاعتزاز - إذ يصطفيه الله، وإذ يعطيه اسمه - يبعث على السير والأمر بالركوع والسجود والعبادة، وفعل الخير والجهاد الشامل المخلص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والاعتصام بالله، كلها قضايا من التقوى، وهي وسائل إليها كذلك، وأجزاء منها في كل حال.