ومع خصوصية الآيتين الزمنية على ضوء هذه الشروح وصلتها بالسياق السابق فإنهما احتوتا بأسلوبهما القويّ ومضامينهما الواعظة المنبّهة المنوّهة تلقينات خطيرة تظلّ مستمرّة التلقين والفيض والمدد والنفحات للمسلمين عامة والعرب خاصة بحيث يمكن أن يقال إنها قد جعلت للعرب المسلمين في المجتمع الإسلامي شأنا خاصا وحملتهم مهمة كبرى ونبّهتهم إلى أن الله قد اجتباهم وجعلهم وسطا وعدولا وهداة ليرشدوا الناس ويهدوهم بهدى دينه الذي ارتضاه لهم والذي رشّحه ليكون دين الإنسانية عامة. وهذا المعنى مندمج في آية سورة الزخرف هذه: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44) على ما شرحناه في سياق تفسيرها. وجملة وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ تنطوي على تقرير ما حمّله الله تعالى للمسلمين عامة والعرب خاصة من مهمة الجهاد وبذل الجهود في سبيل نشر دين الله والدفاع عنه حيث يزيد هذا في سعة التلقين وخطورته. وجملة وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ خطيرة في مقامها حيث تأمر المسلمين والعرب بأن يعتصموا بالله ويجعلوا اعتمادهم عليه في أداء هذه المهمة الخطيرة وتبثّ فيهم الثقة والأمل في نصره لهم فيها.
ولقد أورد ابن كثير حديثا في سياق الآية [123] من سورة الأنعام رواه الإمام أحمد عن سلمان وليس فيه ما يمنع صحّة صدوره عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا سلمان لا تبغضني أفتفارق دينك. قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله قال تبغض العرب فتبغضني» . وفي الحديث توكيد لشأن
العرب في الدعوة الإسلامية مستمدّ من شرف ظهور رسولها العظيم منهم وأعظم به من شرف.