ويضاف إلى هذا أن صاحب الرسالة عام فتح مكة عفا عن هؤلاء المشركين جميعاً بعد كل الذي فعلوه معه ومع أصحابه وقال لهم في عفوه العام عنهم:"أذهبوا فأنتم الطلقاء"فكانت هذه السماحة الإسلامية سبباً في إسلام المشركين العرب جميعاً إلا من مات منهم على الكفر قبل هذا العفو الكريم.
* الخلاصة: ويعلم مما تقدم أن هذه الآية ليس فيها دليل للقائلين بأن علاقة المسلمين بغيرهم علاقة حرب لا علاقة سلام: لا جزماً ولا احتمالاً.
* الدليل الثاني:
وكان مما استدل به الفريق الأول من القرآن هو قوله تعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} .
هذه الآية الكريمة وما بعدها نزلت في شأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وفيها أمر بقتالهم بعد أن فرغت الآيات التي قبلها من تفصيل بعض الأحكام في شأن مشركي العرب. وجاء الأمر بقتال أهل الكتاب لأن اليهود ارتكبوا جرائم فظيعة ، في حق الإسلام والمسلمين ، ولأن الروم - وهم نصارى - بيتَّوا النَّية على غزو ومحاربة الدعوة لا لأنهم يهود ونصارى وكفى. والصفات المذكورة من عدم الإيمان بالله واليوم الآخر ، وعدم تحريم ما حرَّم الله ورسوله ، وعدم العمل بالدين الحق صفات كاشفة عن حقيقة العدو وليست منشئة للحكم بقتالهم. وقد فصَّل القول في هذه المرحوم محمود شلتوت شيخ الأزهر الأسبق في رسالته القيمة:"القتال في القرآن". والواقع العملي لسنة رسول الله يؤيد ذلك ، فقد سبق أنه - صلى الله عليه وسلم - عاهد اليهود من قبل وأقرهم على عقائدهم ، وعاهد نصارى نجران ، بل وعاهد أهل دومة الجندل وهو وثنيون