ويؤيد القول بأنه علم القضاء سياق الآيات بعدها، حيث أردفها جل شأنه بحادثة من أقضيته، وهي قوله تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ * إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ * يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الحِسَابِ} ، لا خلاف بين أهل التأويل أن هؤلاء الخصم إنما كانوا ملائكة.
وقوله: {إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} يقول: (( دخلوا عليه من غير باب المحراب، والمحراب مقدّم كل مجلس وبيت وأشرفه ) )وقوله: {وَلاَ تُشْطِطْ} يقول: (( لا تجر ولا تسرف في حكمك ) )، وقوله: {إِنَّ هَذَا أَخِي} يعني الأخوة في الدين، والنعجة هي المرأة، {أَكْفِلْنِيهَا} أي ضمها إليّ، {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} : (( غلبني في الخصومة أي كان أقوى على الاحتجاج مني ) )، قوله تعالى {وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ} : (( يقول: وعلم داود أنما ابتليناه ) )، وأكثر العلماء على أن الركوع في قوله تعالى: {وَخَرَّ رَاكِعًا} هو السجود، وقوله تعالى: {وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى} (( يقول: وإن له عندنا للقربة منا يوم القيامة ) ).