وقال أبو عبيدة: الفلك: القطب الذي تدور به النجوم.
وهذا القول بعيد؛ لأن الله تعالى قال: {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} فيجب أن يكون الفلك اسمًا لما يتضمن النجوم وتجري فيه، ويكون مدورًا.
وقوله تعالى: {يَسْبَحُونَ} أي: يجرون بسرعة كالسابح في الماء، وقد قال في موضع آخر في صفة النجوم: {وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا} [النازعات: 3] ، والسبح لا يختص بالجري في الماء فقد يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري: سابح، ومنه قول الأعشى:
وَسَابحٍ ذِي مَيْعَةٍ ضَامِر
وتَوهَّم بعضهم أن السبح يختص بالسير في الماء، فجعل الفلك موجًا من الماء تسير فيه النجوم لما رأى قوله: {يُسَبحُونَ} .
وحكى الفراء هذا القول في"تفسير الفلك".
ولما وصف النجوم بفعل ما يعقل جُمِعَ فعلها جَمْعَ فعل ما يعقل، قال أبو إسحق: قيل {يَسْبَحُونَ} هو كما يقال لما يعقل: لأنَّ هذه الأشياء وصفت بالفعل كما يوصف ما يعقل، كما قالت العرب - في رواية جميع النحويين -:"أكلوني البراغيث"لما وصفت بالأكل قيل:
أكلوني، وأنشد للجعدي:
تَمرَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه ... إذا ما بَنوُ نَعَش دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا
وهذا قول أبي عبيدة، والفراء، والمبرد، وجميع أهل اللغة. وذكرنا هذا عند قوله: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] .
34 -قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} الخلد: اسم من الخلود، وهو البقاء الدائم.
يقول: ما خلَّدنا قبلك أحدًا من بني آدم. يعني أن سبيله سبيل من مضى قبله من الرسل ومن بني آدم في الموت.
{أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} موضع الاستفهام قوله: {فَهُمْ} ، ولكنه قدم إلى أول الكلام، وذكرنا هذا عند قوله: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} .