وقال أبو البقاء:"يَسْبَحُون"خبر"كلٌ"على المعنى ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ إذا سَبَح فكلُّها تَسْبَحُ . وقيل: يَسْبَحُون على هذا الوجهِ حالٌ . والخبر"في فَلَكٍ". وقيل: التقدير: كلُّها ، والخبر"يَسْبَحُون"، أتى بضميرِ الجمعِ على معنى"كل". وفي هذا الكلامِ نظرٌ: من حيث إنه لمَّا جَوَّز أن يكونَ المضافُ إليه شيئين جَعَل الخبرَ الجارَّ ، و"يَسْبَحون"حالاً ، فِراراً من عدم مطابقةِ الخبر للمبتدأ ، فَوَقَعَ في تخالُفِ الحالِ وصاحبِها .
وأمَّا الثاني فلأنَّه لَمَّا أَسْنَدَ إليها السباحةَ التي هي مِنْ أفعالِ العقلاء جَمَعَها جَمْعَ العقلاءِ كقولِه: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] و {أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11] .
وهذه الجملةُ يجوز أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعرابِ لاستئنافِها . ويجوزُ أَنْ يكونَ محلُّها النصبَ على الحال . فإنْ قُلْنا: إن السباحةَ تُنْسَبُ إلى الليل والنهار ، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء في أحدِ الوجهين فتكونُ حالاً من الجميع . وإن كان لا يَصِحُّ نِسْبَتُها إليهما كانت حالاً من الشمسِ والقمرِ . وتأويلُ الجمعِ قد تقدَّم . قال الشيخ:"أو مَحَلُّها النصبُ على الحالِ من الشمس والقمر ؛ لأنَّ الليلَ والنهارَ لا يَتَّصِفان بأنهما يَجْرِيان في فَلَكٍ ، فهو كقولك: رأيتُ زيداً وهنداً متبرِّجةً"انتهى . وهذا قد سبقه إليه الزمخشري فَنَقَله عنه ، يعني أنه قد دَلَّ دليلٌ على أنَّ الحالَ من بعضِ ما تقدَّم كما في المثالِ المذكور .
والسِّباحةُ: العَوْمُ في الماءِ . وقد يُعَبَّر به عن مطلقِ الذهابِ ، وقد تقدَّم اشتقاقُه في"سُبْحانك".
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)