والأصل الأصيل في ذلك كله فَلْكة المَغْزِل بفتح الفاء وسكون اللام وهي خشبة مستديرة في أعلاها مِسمار مثني يدخل فيه الغزل ويدار لينفتل الغَزْل.
ومن بدائع الإعجاز في هذه الآية أن قوله تعالى: {كل في فلك} فيه محسّن بديعي فإن حروفه تُقرأ من آخرها على الترتيب كما تُقرأ من أولها مع خفة التركيب ووفرة الفائدة وجريانه مجرى المثل من غير تنافر ولا غرابة ، ومثله قوله تعالى: {ربك فكبِّر} [المدّثر: 3] بطرح واو العطف ، وكلتا الآيتين بني على سبعة أحرف ، وهذا النوع سمّاه السكاكي"المقلوبَ المستوي"وجعله من أصناف نوع سمّاه القَلب.
وخص هذا الصنف بما يتأتى القلب في حروف كلماته.
وسمّاه الحريري في"المقامات"ما لا يستحيل بالانعكاس"وبنَى عليه المقامة السادسة عشَرة ووضح أمثلة نثراً ونظماً ، وفي معظم ما وضعه من الأمثلة تكلف وتنافر وغرابة ، وكذلك ما وضعه غيره على تفاوتها في ذلك والشواهد مذكورة في كتب البديع فعليك بتتبعها ، وكلما زادت طولاً زادت ثقلاً."
قال العلامة الشيرازي في"شرح المفتاح": وهو نوع صعب المسلك قليل الاستعمال.
قلت: ولم يذكروا منه شيئاً وقع في كلام العرب فهو من مبتكرات القرآن.
ذكر أهل الأدب أن القاضي الفاضل البيساني زارَ العمادَ الكاتب فلما ركب لينصرف من عنده قال له العماد:"سِرْ فلا كبَا بك الفرس"ففطن القاضي أن فيه محسن القلب فأجابه على البديهة:"دَام عُلا العماد"وفيه محسن القلب.
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ}