ولا شك أن الإسلام إذ يكشف عن وجوه الخير والشر ، فإنما ليؤكد ما استقرّ فِي ضمير الناس ، وما وقع لعقولهم وقلوبهم من هذه الوجوه كلها ، وبهذا تلتقى فِي قلب المسلم كلمة السماء ، مع منطق العقل ، وواقع الحياة .. فيقبل على الخير ، ويعيش معه ، وينأى عن الشرّ ، ويحاذر الاتصال به! وإنه لا حجة لذى عقل على أن اللّه سبحانه هو الذي أوجد الشرّ ، كما أوجد الإنسان الذي يتعامل معه ، وإذن فلا يحاسب على لقاء شيء كتب عليه أن يلقاه - لا حجة لذى عقل على هذا ، فإنه كما أوجد اللّه الشرّ ، أوجد الخير ، ثم دعا إلى الخير ، وحذّر من الشرّ ، وجعل للإنسان عقلا ينصرف به إلى الخير والشرّ. ثم جعل للخير أثرا طيبا فِي عاجل الإنسان وآجله ، وجعل للشر أثرا سيئا فِي عاجله وآجله .. فإذا انصرف الإنسان عما ينفعه إلى ما يضرّه ، وآثر ما يسوؤه على ما يسرّه ، فهو الذي جلب على نفسه ما جلب من مكروه ، لأنه هو الذي آثره ، ورضى به! إن الحياة بخيرها وشرها ، أشبه بمائدة ممدودة ، عليها ألوان من الأطعمة ، بعضها طيب ، يفيد الجسم وينمّيه ، وبعضها خبيث يعطب الجسم ويفسده. وعلى كل لون من ألوان الطعام لافتة تحدد صفته ، وتكشف عن حقيقته ، وأثره
فيمن يتناوله .. وليس هذا فحسب ، بل إنه يقوم على هذه المائدة ناصح أمين ، يدعو إلى الأكل من الطيب ، ويحذر من مدّ الأيدى إلى الخبيث: « يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً .. وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ .. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ » (168: البقرة) على أنه ليس لهذا الناصح أن يمسك بأيدى الآكلين على هذا الطعام أو ذاك: « بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ »
القيامة) .. « قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها » (104: الأنعام) ..