{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} نزلت حين قالوا: نتربص به ريب المنون , فكانوا يقدّرون أنه سيموت ، فيشمتون بموته ، لما يأملون ذهاب الدعوة النبوية ، وتبدد نظامها ، بفقد واسطة عقدها . فنفى الله تعالى عنه الشماتة بهذه الآية ، بما قضى أنه لا يخلد في الدنيا بشراً ، لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية . وأعلم بحفظ تنزيله وحراسته من المؤثرات ما بقيت الدنيا بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
قال ابن كثير: فقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر عليه السلام مات ، وليس بحيٍّ إلى الآن . لأنه بشر سواء كان وليّاً ، أو نبيّاً أو رسولاً . انتهى .
وتقدم بسط ذلك في سورة الكهف فتذكر . وفي معنى الآية قول عروة الصحابيّ رضي الله عنه:
إذا ما الدهرُ جرَّ على أناسٍ كَلاَكِلهُ أَنَاخَ بآخرينَا
فقل للشَّامتينَ بنا: أفيقُوا سيلقى الشامِتُونَ كما لقيِنَا
وقول الشافعيّ:
تَمَنَّى أُنَاسٌ أَنْ أَمُوتَ ، وَإِنْ أَمُتْ فَتِلْكَ سَبيلٌ لَسْتُ فِيهَا بِأوْحَدِ
فقل للَّذِي يَبْغي خلافَ الَّذِي مضى تَهَيَّأْ لأُخْرَى مِثْلِهَا ، وَكَأنْ قَدِ
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} أي: نختبركم بما يجب فيه الصبر من المصائب ، وما يجب فيه الشكر من النعم: {فِتْنَةً} أي: اختباراً . وهو مصدر مؤكد لـ"لنبلوكم"من غير لفظه: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي: فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر .