فالمراد - إذن - أن الأرض وحدها كانت رَتْقاً ، فتفجرت بالنبات ، وأن السماء كانت رتْقاً فتفجرت بالمطر ، فشقَّ الله السماء بالمطر ، وشَقّ الأرض بالنبات الذي يصدعها: {والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع} [الطارق: 11 - 12] .
وقال عن السماء: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام ...} [الفرقان: 25] على اعتبار أن السماء كُلُّ ما علاك فأظلّك ، فيكون السحاب من السماء .
نفهم من هذا الرأي أن الفَتْق ليس فَتْقَ السماء عن الأرض ، إنما فتق كل منهما على حِدَة ، وعلى كل حال هو فَهْم لا يُعطي حكماً جديداً ، واجتهاد على قَدْر عطاء العقول قد تُثبته الأيام ، وقد تأتي بشيء آخر ، المهم أن القوليْن لا يمنع أحدُهما الآخر .
وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ...} [الأنبياء: 30] قال أصحاب التأويل الثاني: ما دام ذكر هنا الماء ، فلا بُدَّ أن له صلة بالرَّتْق والفَتْق في كل من الأرض والسماء .
ونلحظ أن الآية لم تَقُلْ: كل شيء حيَّا ، إنما {وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ...} [الأنبياء: 30] وقد استدلوا بها على أن الحيَّ المراد به الحياة الإنسانية التي نحياها ، ولم يفطنوا إلى أن الماء داخلٌ في تكوين كل شيء ، فالحيوان والنبات يحيا على الماء فإنْ فَقَد الماء مات وانتهى ، وكذلك الأدنى من الحيوان والنبات فيه مائية أيضاً ، فكُلُّ ما فيه لمعة أو طراوة أو ليونة فيه ماء .
فالمعنى {كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . .} [الأنبياء: 30] أي: كل شيء مذكور موجود .
والتحقيق العلمي أن لكل شيء حياةً تناسبه ، وكل شيء فيه ماء ، بدليل قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ...} [الأنفال: 24] .