تقبلونه، وتتبعونه، وتعتقدونه، و... فكيف تصرفت الحال فالاتساع فاشٍ في مناحي القول فيه، وللعرب ألفاظ متشعبة في دلالتها تقضي بها حوائجها. ثم كيف تأتي أمرا ما تحضر مجلسه وتُقبل عليه، إن لم تكن على قناعة به وقبول؟! فجمع التضمين المعنيين الإقبال عليه ... وقبوله ... ، وفاز بالحسنيين.
وإذا السؤال مع النَّوال بَذَلته ... أعطاكه سَلِساً بغير مَطالِ
(فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ(12)
جاء في كتاب الأفعال: ركض ركضا: مشى، وفي الأمر: فعله ماشيا أو جالسا، والأرضَ ضربها برجله، والدابةَ استحثها، والطائر والفرسَ: أسرعا والصواب ركض الفرس.
والجوهري: الركض: تحريك الرجل ومنه (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ) .
وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو. وقال الفراء: (إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ) يهربون وينهزمون ويفرون.
وقال الزجاج: يهربون من العذاب. وقال البروسوي: يهربون مسرعين راكضين دوابهم. ومثله البيضاوي فالفعل يتعدى بالباء وبفي ولا يتعدى بمن إلا على التضمين كما قال الفراء والزجاج أي يهربون وينهزمون منها وذكر الآلوسي: والركض كناية عن الهرب وجوّز أن يكون استعارة تبعية.
أقول: (من) هذه هي التي آذنتنا بما تضمنه فعلها من معنى الهزيمة والفرار حين تعدى بغير حرفه المعتاد وحملناه على حقيقته من غير دل إلى المجاز. إنها صورة حسية تشخص حالتهم النفسية، وقد أظلمت عليهم نفوسهم، ودُمِّرت عليهم ديارهم، فهم من بأس النازلة وهولها يضطربون كالفئران في المصيدة، حركات عشوائية بلا تفكير ولا شعور، يطلبون سبيل النجاة. فالركض على سعته وتناشره، اغترق جميع مداليله.
إنها الهزيمة من باس الله وعذابه، وإنه الدمار يحل بالقرى الظالم أهلها، وحسبوا أن الركض ينجيهم من العذاب، والهرب والفرار يخلصهم من الدمار، وأنهم أسرع من إدراكه لهم، ولكنها الغفلة. ثم تلسعهم لذعة التهكم المرير: (لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ) . وعندها يستحسرون .... يا ويلنا! إنا كنا ظالمين ولات ساعة مَندم.
(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ...(47)
قال أبو حيان: اللام ليوم القيامة بمعنى في.