والمعنى: ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى قبل هذا، حين ألهمنا أمك، وأوقعنا في قلبها عزيمةً صادقةً، أن أمثل الطرق لخلاصك من فرعون وجبروته، أن تضعك في تابوت"صندوقٍ"، ثم تطرح هذا التابوت في نهر النيل، ففعلت، فألقاك النهر في الساحل، فأخذك فرعون - عدو الله - ورباك في بيته، وسيصير عدوًا لك بعد ذلك، كما هو عدو لي، روي: أنها جعلت في التابوت قطنًا محلوبًا، ووضعته فيه، وطلت ظاهره بالجص والقار، ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه - يتفرع - نهر كبير إلى بستان فرعون، فبينا هو جالس إلى رأس بركةٍ مع زوجته آسية، إذ بتابوت يجري به الماء، فأمر فرعون غلمانه وجواريه بإخراجه، ففعلوا وفتحوا رأسه، فإذا صبي من أصبح الناس وجهًا، فأحبه فرعون حبًا شديدًا، لم يتمالك أن يصبر عنه، وجملة قوله: {يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ} : جواب الأمر بالإلقاء، وتكرير {عَدُوٌّ} للمبالغة وهو فرعون، فالأول: باعتبار الواقع لكفره وعتوه، والثاني: باعتبار ما يؤول إليه، وما لو ظهر لفرعون حال موسى لقتله، ولما وجده في اليم عند الشجر سماه موسى، و (مو) : هو الماء عند القبطية و (سا) : هو الشجر، وأحبه حبًا شديدًا، لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى:
2 - {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً} عظيمةً كائنةً {مِنِّي} قد ركزتها في القلوب، وزرعتها فيها، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذا أحبك عدو الله فرعون وزوجته، حتى قالت: {قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه.