قال الله تعالى مخاطبا نبيه وكليمه: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) السؤل بمعنى المسئول، كالخبز بمعنى المخبوز، والأكُل بمعنى المأكول، و (أُوتِيتَ) معناه أعطيته، وصار بين يدك ما طلبت، وذلك في نظرنا أبلغ من أُجِبْت؟ لأن الإجابة قد تكون بالقول، ويتحقق مدلولها بعد، إذ الإجابة لَا تقتضي التحقق، بل إنها ربما تكون بينها وبين التحقيق زمن، والمجيب ليس بمخلفه، وإنه بندائه سبحانه بالاسم تقريب وإدناء، وإلقاء بالمودة التي لم يحرم منها كليم الله طول حياته، ولئلا يقصى عليه أمر بني إسرائيل أمده الله تعالى بكل أسباب الصلاح، ولكنهم كانوا قد مردوا على الذل، ومرضت قلوبهم بالنفاق كما رباهم فرعون على الخنوع الذليل، ولم يجد فيهم من يجيئهم بالرشاد والموعظة الحسنة والولاية الهادية الرشيدة.
ولادته وكفالته
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى(37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)
كلام لموسى عليه السلام، وكانت تلك المجاوبة الرحيمة من الله والمحبوبة لموسى من وقت أن آنس من جانب الطور نارا وذهب إليها ليأتي لأهله منها بقبس أو يجد على النار هدى، وقد من الله على موسى بأن آتاه سؤله، وذكَّر موسى بأنه كانت كلاءته الكريمة من وقت أن وُلدَ، ولذا قال له:
(وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى) فليست هذه أول ما مننا به عليك، فقد من عليك - بمننٍ كثيرة من قبل، وإذا كانت هذة منة تسهيل الرسالة، وتبليغها عليك، فقد مننت عليك بالكفالة والمحبة من وقت ولادتك إلى أن لقيتني عند الشجرة، ونبتدئ فنلخص هذه المنن الكريمة:
أولاها: عند ولادتك فإن أمك الرءوم خشيت عليك من فرعون الطاغية الذي كان يذبح أبناء بني إسرائيل، ويستحيي نساءهم ليكونوا خدما في البيوت أو
إماء، وقد قال تعالى في إنجائه:
(إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى(38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)