وَثَانِيهَا: ذَلِكَ الْأَمْرُ كَانَ مَشْرُوطًا وَالتَّقْدِيرُ: أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ كَمَا فِي قوله تَعَالَى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ... إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [الْبَقَرَةِ: 23] أَيْ إِنْ كُنْتُمْ قَادِرِينَ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَ ذَلِكَ طَرِيقًا إِلَى كَشْفِ الشُّبْهَةِ صَارَ ذَلِكَ جَائِزًا.
وَهَذَا كَالْمُحِقِّ إِذَا عَلِمَ أَنَّ فِي قَلْبِ وَاحِدٍ شُبْهَةً وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُطَالِبْهُ بِذِكْرِهَا وَتَقْرِيرِهَا بِأَقْصَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَبَقِيَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ فِي قَلْبِهِ، وَيَخْرُجُ بِسَبَبِهَا عَنِ الدِّينِ فَإِنَّ لِلْمُحِقِّ أَنْ يُطَالِبَهُ بِتَقْرِيرِهَا عَلَى أَقْصَى الْوُجُوهِ وَيَكُونُ غَرَضُهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجِيبَ عَنْهَا وَيُزِيلَ أَثَرَهَا عَنْ قَلْبِهِ فَمُطَالَبَتُهُ بِذِكْرِ الشُّبْهَةِ لهذا الغرض تكون جائزة فكذا هاهنا.
وَرَابِعُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ أَمْرًا بَلْ يَكُونُ مَعْنَاهُ إِنَّكُمْ إِنْ أَرَدْتُمْ فِعْلَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ حِسًّا لِكَيْ يَنْكَشِفَ الْحَقُّ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ كَارِهًا لِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ) [طه: 61] وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَمْرًا لَهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ كَوْنِهِ نَاهِيًا وَآمِرًا بِالْفِعْلِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ، فَعَلِمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحِينَئِذٍ يَزُولُ الْإِشْكَالُ.