السُّؤَالُ الثَّانِي: لِمَ قَدَّمَهُمْ فِي الْإِلْقَاءِ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ أَنَّ تَقْدِيمَ اسْتِمَاعِ الشُّبْهَةِ عَلَى اسْتِمَاعِ الْحُجَّةِ غَيْرُ جَائِزٍ فَكَذَا تَقْدِيمُ إِيرَادِ الشُّبْهَةِ عَلَى إِيرَادِ الْحُجَّةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ رُبَّمَا أَدْرَكَ الشُّبْهَةَ ثُمَّ لَا يَتَفَرَّغُ لِإِدْرَاكِ الْحُجَّةِ بَعْدَهُ فَيَبْقَى حِينَئِذٍ فِي الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ لَمَّا قَدَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَابَلَ ذَلِكَ بِأَنْ قَدَّمَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ أَمْثَالَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْسُنُ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى حَظِّ النَّفْسِ، فَأَمَّا مَا يَرْجِعُ إِلَى الدَّلِيلِ وَالشُّبْهَةِ فَغَيْرُ جَائِزٍ؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْمُعْجِزَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَمَا كَانَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى إِظْهَارِهَا مَرَّةً أُخْرَى وَالْقَوْمُ إِنَّمَا جَاءُوا لِمُعَارَضَتِهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَوْ أَنِّي بَدَأْتُ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَةِ أَوَّلًا لَكُنْتُ كَالسَّبَبِ فِي إِقْدَامِهِمْ عَلَى إِظْهَارِ السِّحْرِ وَقَصْدِ إِبْطَالِ الْمُعْجِزَةِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، وَلَكِنِّي أُفَوِّضُ الْأَمْرَ إِلَيْهِمْ حَتَّى أَنَّهُمْ بِاخْتِيَارِهِمْ يُظْهِرُونَ ذَلِكَ السِّحْرَ ثُمَّ أَنَا أُظْهِرُ الْمُعْجِزَ الَّذِي يُبْطِلُ سِحْرَهُمْ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ سَبَبًا لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِوُقُوعِ الشُّبْهَةِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوْلَى.
* اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِ السَّحَرَةِ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ عَصَا وَحَبْلٌ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ عَصًا وَحَبْلٌ، وَقَالَ وَهْبٌ: كَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَعِكْرِمَةُ كانوا تسعمائة: ثلاثمائة من الفرس وثلاثمائة من الروم وثلاثمائة مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.