وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ سَاحِرًا اثْنَانِ مِنْهُمْ مِنَ الْقِبْطِ وَسَبْعُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْرَهَهُمْ فِرْعَوْنُ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الِاخْتِلَافَ وَالتَّفَاوُتَ وَاقِعٌ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَالْأَقْوَالُ إِذَا تَعَارَضَتْ تَسَاقَطَتْ.
قوله تعالى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
الْإِيجَاسُ اسْتِشْعَارُ الْخَوْفِ أَيْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خَوْفًا.
«فَإِنْ قِيلَ» : إِنَّهُ لَا مَزِيدَ فِي إِزَالَةِ الْخَوْفِ عَلَى مَا فَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى فِي حَقِّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ كَلَّمَهُ أَوَّلًا وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةَ كَالْعَصَا وَالْيَدِ، ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى صَيَّرَهَا كَمَا كَانَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ كَأَعْظَمِ ثُعْبَانٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَعْطَاهُ الِاقْتِرَاحَاتِ الثَّمَانِيَةَ وَذَكَرَ مَا أَعْطَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ الْمِنَنِ الثَّمَانِيَةِ ثُمَّ قَالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: (إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى) [طه: 46] فَمَعَ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْكَثِيرَةِ كَيْفَ وَقَعَ الْخَوْفُ فِي قَلْبِهِ؟
وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ ذَلِكَ الْخَوْفَ إِنَّمَا كَانَ لِمَا طُبِعَ الْآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِنْ ضَعْفِ الْقَلْبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُمْ لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَأَنَّ اللَّه نَاصِرُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ.
وَثَانِيهَا: أَنَّهُ خَافَ أَنْ تَدْخُلَ عَلَى النَّاسِ شُبْهَةٌ فِيمَا يَرَوْنَهُ فَيَظُنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ سَاوَوْا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَيَشْتَبِهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُتَأَكَّدٌ بِقَوْلِهِ: (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى) وَهَذَا قَوْلُ مُقَاتِلٍ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ خَافَ حَيْثُ بَدَءُوا وَتَأَخَّرَ إِلْقَاؤُهُ أَنْ يَنْصَرِفَ بَعْضُ الْقَوْمِ قَبْلَ مُشَاهَدَةِ مَا يُلْقِيهِ فَيَدُومُوا عَلَى اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ.