وقوله: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) : قال عامة أهل التأويل: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) ، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: (مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير برص بك (آيَةً أُخْرَى) سوى آية العصا.
وجائز أن يكون (بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأن التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى(23)
قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أُولَئِكَ كان في العصا.
وقال قائلون: آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أُولَئِكَ كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدل على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من اللَّه؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.
وجائز أن يكون قوله: (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى) التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ...) الآية، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ لا أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.
أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا) ، هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، واللَّه أعلم.