قال الشافعى رضي الله عنه صحبت الصوفية فما انتفعت منهم إلا بكلمتين سمعتهم يقولون الوقت سيف فإن قطعته وإلا قطعك ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل قلت يا لهما من كلمتين ما أنفعهما وأجمعهما وأدلهما على علو همة قائلهما ويقظته ويكفي في هذا ثناء الشافعي على طائفة هذا قدر كلماتهم وقد يريدون بالوقت ما هو أخص من هذا كله وهو ما يصادفهم في تصريف الحق لهم دون ما يختارونه لأنفسهم ويقولون فلان بحكم الوقت أي مستسلم لما يأتي من عند الله من غير اختيار وهذا يحسن في حال ويحرم في حال وينقص صاحبه في حال فيحسن في كل موضع ليس لله على العبد فيه أمر ولا نهي بل في موضع جريان الحكم الكوني الذي لا يتعلق به أمر ولا نهي كالفقر والمرض والغربة والجوع والألم والحر والبرد ونحو ذلك ويحرم في الحال التي يجري عليه فيها الأمر والنهي والقيام بحقوق الشرع فإن التضييع لذلك والاستسلام والاسترسال مع القدر انسلاخ من الدين بالكلية وينقص صاحبه في حال تقتضي قياما بالنوافل وأنواع البر والطاعة وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت وجعل وقته مساعدا له وإذا أراد.
به شرا جعل وقته عليه وناكده وقته فكلما أراد التأهب للمسير لم يساعده الوقت والأول كلما همت نفسه بالقعود أقامه الوقت وساعده وقد قسم بعضهم الصوفية أربعة أقسام أصحاب السوابق وأصحاب العواقب وأصحاب الوقت وأصحاب الحق قال فأما أصحاب السوابق فقلوبهم أبدا فيما سبق لهم من الله لعلمهم أن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد ويقولون من أقصته السوابق لم تدنه الوسائل ففكرهم في هذا أبدا ومع ذلك فهم يجدون في القيام بالأوامر واجتناب النواهي والتقرب إلى الله بأنواع القرب غير واثقين بها ولا ملتفتين إليها ويقول قائلهم
من أين أرضيك إلا أن توفقني ... هيهات هيهات ما التوفيق من قبلي
إن لم يكن لي في المقدور سابقة ... فليس ينفع ما قدمت من عملي