أجابوه بأبشع جواب وأشنعه فقالوا: {أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف 129] فقال لهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف 129] فكان رَدُّه عليهم بهذا اللطف عن ذاك الجفاء والغِلظة, وأظهروا خلافه فيما أمرهم به من الدخول على الجبابرة في الأرض المقدّسة حتى قالوا إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها كما تقدم, وكما نهاهم عن الصيد يوم السبت فاحتالوا في حبس الحيتان, وكما نهاهم عن الإدخار من المن والسلوى فادخروا, ولما غاب عنهم زمن المناجاة عَبَد العجل منهم الجم الغفير, وقارون القريب النسيب جرى في حقّه منه ما جرى وعاداه العداوة البليغة, والسامري الذي كان من عظماء بني إسرائيل نافَق وعمل ما عمل وكل ذلك في كبره وفي زمان النبوّة, ولم يُسْلِمْ له ممن أحبّه طفلاً إلا امرأة فرعون ومؤمن آل فرعون, وقد قال لمحمد صلى الله عليه وعليه وسلم ليلةَ الإسراء: إنه عالج بني إسرائيل أشد المعالجة, واقترحوا عليه من الأمور المنكرة والأمور الدينية ما عُرف به سوء أدبهم معه وقلّة معرفتهم واحترامهم إياه, كما أنه لما كان يعتزلهم في مغتسلهم وكانوا يغتسلون عراة ينظر بعضهم (سوءة) بعض, وكان موسى عليه الصلاة والسلام ستيراً فكان يغتسل وحده فقالوا: ما يمنع أن يغتسل معنا إلا أنّ به أدرة أو آفة فقال الله لهذه الأمّة: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ... } الآية [الأحزاب: 69] ,