التاسعة: لنضرب مثلاً لذلك فنقول: البدن بالكلية كالمملكة ، والصدر كالقلعة ، والفؤاد كالصفة ، والقلب كالسرير ، والروح كالملك ، والعقل كالوزير ، والشهوة كالعامل الكبير الذي يجلب النعم إلى البلدة ، والغضب كالاسفهيد الذي يشتغل بالضرب ، والتأديب والحواس كالجواسيس ، وسائر القوى كالمحترفين والعملة والصناع. ثم إن الشيطان كملك مطاع وإنه يخاصم هذه البلدة والقلعة والهوى والحرص وسائر الأخلاق الذميمة جنوده ، فإذا أخرج الروح وزيره وهو العقل أخرج الشيطان في مقابله الهوى فجعل العقل يدعو إلى الله تعالى والهوى إلى الشيطان. ثم إن الروح أخرج الفطنة إعانة للعقل فأخرج الخصم في مقابلته الشهوة ، فالفطنة توقفك على معايب الدنيا ، والشهوة تحسن لذات الدنيا. ثم إن الروح أمد الفطنة بالفكرة لتوقف على الحاضر والغائب من المعايب على ما قال"تفكر ساعة خيرمن عبادة سنة"فأخرج الشيطان في مقابلة الفكرة الغفلة ، ثم أخرج الروح الحلم والثبات فإن العجلة ترى الحسن قبيحاً والقبيح حسناً ، فأخرج الشيطان بإزائه العجلة والسرعة فلهذا قال صلى الله عليه وسلم
"ما دخل الرفق في شيء إلا زانه وما دخل الخرق في شيء إلا شانه"وخلق السماوات والأرض في ستة أيام ليتعلم منه الرفق والثبات فهذه هي الخصومة الواقعة بين الصفين وقلبك وصدرك هو المعركة. ثم إن لهذا الصدر الذي هو القلعة خندقاً وهو الزهد في الدنيا ، وله سور وهو الرغبة في الآخرة. فإن كان الخندق عظيماً والسور قوياً عجز عسكر الشيطان وجنوده فانهزموا ، وإن كان بالضد دخل الشيطان وجنوده من الكبر والهوى والعجب والبخل وسوء الظن بالله ومن النميمة والغيبة وسائر الخصال الذميمة ، وينحصر الملك في القصر ويضيق الأمر عليه ، ثم إذا جاء مدد التوفيق وأخرج هذا العسكر من القلعة انفسح وانشرح {رب اشرح لي صدري} .