وإسلامه إليها، والهرب منها، فضربها بالعصا فثقلت، فلما بهشت له ورفعت صدرها ضربها حتى وقذها، ثم ضربها حتى قتلها، فقلت: هذه ثالثة، وهي أعظمهن.
فلما خرجنا في اليوم الرابع، وقد والله قرمت إلى اللحم وأنا هارب معدم، إذا أرنب قد اعترضت، فخذفها بالعصا، فما شعرت إلا وهي معلقة وأدركنا ذكاتها، فقلت: هذه رابعة.
واقبلت عليه فقلت لو أن عندنا نارا لما أخرت أكلها إلى المنزل. قال فإن عندك نارا! فأخرج عويدا من مزوده، ثم حكه بالعصا فأورت إيراء المرخ والعفار عنده لا شيء، ثم جمع ما قدر عليه من الغثاء والحشيش فأوقد ناره وألقى الأرنب في جوفها، فأخرجناها وقد لزق بها من الرماد والتراب ما بغّضها إلي، فعلقها بيده اليسرى ثم ضرب بالعصا على جنوبها واعراضها ضربا رقيقا، حتى انتثر كل شيء عليها، فأكلناها وسكن القرم، وطابت النفس، فقلت: هذه خامسة.
ثم أنا نزلنا بعض الخانات، وإذ البيوت ملاء روثا وترابا، ونزلنا بعقب جند وخراب متقدم، فلم نجد موضعا نظل فيه، فنظر إلى حديدة مسحاة مطروحة في الدار، فأخذها فجعل العصا نصابا لها، ثم قام فجرف جميع ذلك التراب والروث، وجرّد الأرض بها جردا، حتى ظهر بياضها، وطابت ريحها فقلت: هذه سادسة.
وعلى أي حال لم تطب نفسي أن أضع طعامي وثيابي على الأرض، فنزع والله العصا من حديدة المسحاة فوتدها في الحائط، وعلق ثيابي عليها، فقلت: هذه سابعة.
فلما صرت إلى مفرق الطرق، وأردت مفارقته، قال لي: لو عدلت فبتّ عندي كنت قد قضيت حقّ الصحبة، والمنزل قريب. فعدلت معه فأدخلني في منزل يتصل ببيعة. قال: فما زال يحدثني ويطرفني ويلطفني الليل كله، فلما كان السحر أخذ خشيبة ثم أخرج تلك العصا بعينها فقرعها بها، فإذا ناقوس ليس في الدنيا مثله، وإذا هو أحذق الناس بضربه، فقلت له: ويلك، أما أنت مسلم وأنت رجل من العرب من ولد عمرو بن كلثوم؟ قال: بلى. قلت فلم تضرب بالناقوس؟ قال: جعلت فداك! إن أبي نصراني، وهو صاحب البيعة، وهو شيخ ضعيف، فإذا شهدته بررته بالكفاية.
فإذا هو شيطان مارد، وإذا أظرف الناس كلهم وأكثرهم أدبا وطلبا، فخبرته بالذي أحصيت من خصال العصا، بعد أن كنت هممت أن أرمي بها، فقال: والله لو حدثتك عن مناقب نفع العصا إلى الصبح لما استنفدتها.
تفسير شعر غنيّه الأعرابية، في شأن ابنها.