والحمار الفاره يفسده السوط وتصلحه المقرعة. وأنشد لسلامة بن جندل:
أنا إذا ما أتانا صارخ فزع ... كان الصراخ له قرع الظنابيب
وقال الحجاج: «والله لأعصبنكم عصب السلمة، ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل» . وذلك أن الأشجار تعصب أغصانها، ثم تخبط بالعصي لسقوط الورق وهشيم العيدان:
ودخل أبو مجلّز على قتيبة بخراسان، وهو يضرب رجالا بالعصي، فقال:
أيها الأمير، إن الله قد جعل لكل شيء قدرا، ووقّت فيه وقتا، فالعصا للأنعام والبهائم العظام، والسوط للحدود والتعزير، والدرة للأدب، والسيف لقتال العدو والقود.
ثم قال الشرقيّ: ولكن دعنا من هذا، خرجت من الموصل وأنا أريد الرقة مستخفيا، وأنا شاب خفيف الحاذ، فصحبني من أهل الجزيرة فتى ما رأيت بعده مثله، فذكر أنه تغلبي، من ولد عمرو بن كلثوم، ومعه مزود وركوة وعصا، فرأيته لا يفارقها، وطالت ملازمته لها، فكدت من الغيظ أرمي بها في بعض الأودية، فكنا نمشي فإذا أصبنا دواب ركبناها، وإن لم نصب الدواب مشينا، فقلت له في شأن عصاه، فقال لي: إن موسى بن عمران صلّى الله عليه وسلّم حين آنس من جانب الطور نارا، وأراد الإقتباس لأهله منها، لم يأت النار في مقدار تلك المسافة القليلة إلا ومعه عصاه، فلما صار بالوادي المقدس من البقعة المباركة قيل له: الق عصاك، واخلع نعليك. فرمى بنعليه راغبا عنهما، حين نزّه الله ذلك الموضع عن الجلد غير الذكي، وجعل الله جماع أمره من أعاجيبه وبرهاناته في عصاه، ثم كلمه من جوف شجرة ولم يكلمه من جوف إنسان ولا جان.
قال الشرقي إنه ليكثر من ذلك وإني لأضحك متهاونا بما يقول، فلما برزنا على حمارينا تخلّف المكاري فكان حماره يمشي، فإذا تلكأ أكرهه بالعصا، وكان حماري لا ينساق، وعلم أنه ليس في يدي شيء يكرهه، فسبقني الفتى إلى المنزل فاستراح واراح، ولم أقدر على البراح، حتى وافاني المكاري، فقلت: هذه واحدة.
فلما أردنا الخروج من الغد لم نقدر على شيء نركبه، فكنا نمشي فإذا أعيا توكأ على العصا. وربما أحضر ووضع طرف العصا على وجه الأرض فاعتمد عليها ومرّ كأنه سهم زالج، حتى انتهينا إلى المنزل وقد تفسخت من الكلال، وإذا فيه فضل كثير، فقلت هذه ثانية.
فلما كان في اليوم الثالث، ونحن نمشي في أرض ذات أخاقيق وصدوع، إذ هجمنا على حية منكرة فساورتنا، فلم تكن عندي حيلة إلا خذلانه