ومعلوم أن الجهات ست ، يأتي منها الشيطان إلا فوق وتحت ؛ لأنهما مرتبطتان بعزِّ الألوهية من أعلى ، وذُلّ العبودية من أسفل ، حين يرفع العبد يديه لله ضارعاً وحين يخِرُّ لله ساجداً ؛ لذلك أُغلِقَتْ دونه هاتان الجهتان ؛ لأنهما جهتا طاعة وعبادة وهو لا يعمل إلا في الغفلة ينتهزها من الإنسان .
والمتأمل في مسألة الشيطان يجد أن هذه المعركة وهذا الصراع ليس بين الشيطان وربه تبارك وتعالى ، بل بين الشيطان والإنسان ؛ لأنه حين قال لربه تعالى: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 82] التزم الأدب مع الله .
فالغواية ليست مهارة مني ، ولكن إغويهم بعزتك عن خَلْقك ، وترْكِكَ لهم الخيارَ ليؤمن مَنْ يؤمن ، ويكفر مَنْ يكفر ، هذه هي النافذة التي أنفذ منها إليهم ، بدليل أنه لا سلطانَ لي على أهلك وأوليائك الذين تستخلصهم وتصطفيهم: {إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين} [ص: 83] .
وهنا أيضاً يثار سؤال: إذا كان الشيطان لا يقعد إلا على الصراط المستقيم لِيُضلَّ أهله ، فلماذا يتعرَّض للكافر؟
نقول: لأن الكافر بطبعه وفطرته يميل إلى الإيمان وإلى الصراط المستقيم ، وها هو الكون يآياته أمامه يتأمله ، فربما قاده التأمل في كَوْن الله إلى الإيمان بالله ؛ لذلك يقعد له الشيطان على هذا المسلْك مسلْك الفكر والتأمل لِيحُول بينه وبين الإيمان بالخالق عز وجل .
فالشيطان ينزغك ، إما ليحرك فيك شهوة ، أو ليُنسِيك طاعة ، كما قال تعالى: {وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان} [الكهف: 63] .
وقال: {وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى مَعَ القوم الظالمين} [الأنعام: 68] .
وكثير من الإخوان يسألون: لماذا في الصلاة بالذات تُلِحُّ علينا مشاكل الحياة ومشاغل الدنيا؟