فلا تظن أن الكون قائم على قانون يُديره ، بل على القيومية القائمة على كل أمر من أمور الكون ، والحق تبارك وتعالى لا تأخذه سنة ولا نوم . فما دام الأمر كذلك ، وأنه تعالى يعلم ما بين أيدينا وما خلفنا ، وما بين ذلك ، وأنه تعالى قيُّوم لا ينسى ولا يغفل وبه يقوم الكون . فهو إذن يستحق العبادة والطاعة فيما أمر ، وقد أعطاك قبل أن يُكلّفك عطاء لا تستطيع أنت أن تفعله لنفسك ، ثم تركك تربع في هذا النعيم خمس عشرة سنة دون أنْ يُكلِّفك بشيء من العبادات .
لذلك هنا يقول تعالى: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ} [مريم: 65] وقد أكّد القرآن الكريم في آيات كثيرة مسألة الوحدانية ، وأنه رَبٌّ واحد فقال: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} [مريم: 65] .
وقال: {رَبِّ العالمين} [الفاتحة: 2] .
وقال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين} [الشعراء: 26] .
لأن القدماء ، ومنهم مثلاً قدماء المصريين كانوا يجعلون رباً للسماء ، ورباً للأرض ، ورباً للجو ، ورباً للأموات ، ورباً للزرع . . إلخ وما دام هو سبحانه رب كل شيء فقد رتب العبادة على الربوبية . والعبادة: طاعة معبود فيما أمر وفيما نهى ، وكيف لا نطيع الله ونحن خَلْقه وصَنْعته ، ونأكل رزقه ، ونتقلب في نعمه؟ وفي ريفنا يقول الرجل لولده المتمرد عليه: (مَنْ يأكل لقمتي يسمع كلمتي) .
ولا بُدَّ أن نعلم أن الله تعالى له الكمال المطلق قبل أنْ يخلق الخَلْق وبصفات الكمال خلق ، فلا تنفعه طاعة ، ولا تضره معصية . فإن قلتَ: فلماذا إذن يُكلِّف الخَلْق بالأمر والنهي؟ نقول: كلَّف الله الخَلْق لتستمر حركة الحياة وتتساند الجهود ولا تتصادم ، فيحدث في حياتهم الارتقاء ويسعدوا بها ، إنما لو تركهم وأهواءهم لَفسدتِ الحياة ، فأنت تبني وغيرك يهدم .