وهكذا كان الأمر في الآية التي نحن بصددها: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] فيقال: إنها نزلت حينما قال الكفار: إن ربَّ محمد قد قلاه ، أو أنها نزلت بعد أن سأل كفار مكة الأسئلة الثلاثة التي تحدثنا عنها في سورة الكهف . وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم:"سأخبركم غداً"لكن الوحي لم يأته مدة خمسة عشر يوماً ، فشقَّ ذلك عليه وحزِنَ له فنزلت: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ} [مريم: 64] أي: الملائكة لا تنزل إلا بأمر ، ولا تغيب إلا بأمر .
ثم يقول الحق سبحانه تعالى: {لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك} [مريم: 64] .
قوله تعالى: {مَا بَيْنَ أَيْدِينَا} [مريم: 64] أي: الذي أمامنا {وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64] أي: في الخلف {وَمَا بَيْنَ ذلك} [مريم: 64] أي: ما بين الأمام والخلف ، فماذا بين الأمام والخلف؟ ليس بين الأمام والخلف إلا أنت . فسبحانه وتعالى المالك ، الذي له الملك والمملوك ، وله المكان والمكين ، وله الزمان والزمين .
وقوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] هل يرسل الحق تبارك وتعالى رسولاً ، ثم ينساه هكذا دون إمداد وتأييد؟ فسبحانه تنزَّه عن الغفلة وعن النيسان .
ثم يقول الحق سبحانه: {رَّبُّ السماوات والأرض}
أولاً: ما علاقة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً} [مريم: 64] بقوله تعالى في هذه الآية: {رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا} [مريم: 65] ؟
قالوا: لأن هذا الكون العظيم بسمائه وأرضه ، وما فيه من هندسة التكوين وإبداع الخلق قائم بقيومية الله تعالى عليه ، كما قال سبحانه: {إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ} [فاطر: 41] .