وإن هؤلاء الأنبياء المصطفين الأخيار والتابعين الأبرار قد صفت نفوسهم واستقامت قلوبهم، وصغت إلى الحق أفئدتهم فكانوا إذا تليت عليهم آياته في كتبه الذي أنزلها الرحمن خروا ساجدين باكين؛ ولذا قال تعالى: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) سُجَّدًا: جمع ساجد، وبكيا جمع باك، أي أنهم لفرط تأثرهم بآيات الرحمة التي تنزل من عند الرحمن، ولذا اختير ذلك الوصف (الرَّحْمَنِ) في التعبير عن الذات، فهم يبكون لشعورهم برحمة اللَّه، ويسجدون شكرا للَّه تعالى على ما أنعم، وإن ذلك كان من شأن الصالحين، فكان أبو بكر بكَّاءً عند تلاوة القرآن الكريم، وكان الإمام الشافعي إذا صلى بالناس بكى وبكوا عند تلاوته حتى سمي القارئ البكَّاء، ومن كان من الصالحين لَا تدمع عيناه يبكي قلبه. وإن ذلك من الوعي الطيب، إذ يحمس السامع للتلاوة، بأنه يسمع اللَّه تعالى ينادي فيرتجف ويقشعر بدنه، ولقد قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ. . .) .
قد ذكر اللَّه تعالى مَنْ خلف أولئك الأبرار من النبيين والصديقين. انتهى انتهى {زهرة التفاسير} ...