وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: هُوَ الْحَمَأُ الْمَصْبُوبُ. قَالَ: وَالْمَصْبُوبُ: الْمَسْنُونُ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: سَنَنْتُ الْمَاءَ عَلَى الْوَجْهِ وَغَيْرُهُ إِذَا صَبَبْتُهُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: هُوَ الْمُتَغَيِّرُ، قَالَ: كَأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ سَنَنْتُ الْحَجَرَ عَلَى الْحَجَرِ، وَذَلِكَ أَنْ يُحَكَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَنَنْتُهُ أَسُنُّهُ سَنًّا فَهُوَ مَسْنُونٌ، قَالَ: وَيُقَالُ لِلَّذِي يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِهِمَا: سَنِينَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُنْتِنًا، وَقَالَ: مِنْهُ سُمِيَّ الْمُسِنُّ، لِأَنَّ الْحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ: هُوَ الطِّينُ الرَّطْبُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالْجَانَّ} ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْجَانِّ وَلِمَ قِيلَ لَهُ جَانٌّ وَعُنِيَ بِالْجَانِّ هَهُنَا: إِبْلِيسُ أَبَا الْجِنِّ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِبْلِيسُ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلِ الْإِنْسَانِ مِنْ نَارِ السَّمُومِ.
عَنْ قَتَادَةَ:"وَإِنَّمَا خُلِقَ آدَمُ آخِرَ الْخَلْقِ، فَحَسَدَهُ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ، وَهَذَا طِينِيٌّ، فَكَانَتِ السَّجْدَةُ لِآدَمَ وَالطَّاعَةُ للَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَقَالَ: {اخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} "
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى: {نَارِ السَّمُومِ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ السَّمُومُ الْحَارَّةُ الَّتِي تَقْتُلُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} قَالَ:"هِيَ السَّمُومُ الَّتِي تَقْتُلُ، {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ} ، قَالَ: هِيَ السَّمُومُ الَّتِي تَقْتُلُ".
وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِذَلِكَ مِنْ لَهَبِ النَّارِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:"كَانَ إِبْلِيسُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ [1] ، خُلِقُوا مِنْ نَارِ السَّمُومِ مِنْ بَيْنِ الْمَلَائِكَةِ، قَالَ: وَخُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ"
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: السَّمُومُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ، وَالسَّمُومُ بِاللَّيْلِ، يُقَالُ: سَمَّ يَوْمُنَا يَسَمُّ سَمُومًا
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى التوقف عند خبر القرآن، وقد تقدم رد ذلك في سورة البقرة عند قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(34) . والله أعلم.