والشيطان من موادِّ وعناصرِ هذه المحنة والفتنة، بل هو أساسُها، وحولَه تدور كلُّ المواد والعناصر في الأرض وما فيها ومن فيها:"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ في مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" [الأنعام: 165] "إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً" [الكهف: 7] فلطالَما أَوحى شيطان الجنِّ إلى شيطان الإنس وزيَّن له أن يُغَيِّر خلق الله في هذه الأرض، فغيَّر خلق الله في الإنسانيَّة السميعة البصيرة، المفكِّرة العاقلة عن الله آياته الكونية والعلميَّة، فذهب جُمهور الناس وسوادهم الأعظم يعتقد - ضالاًّ أبْعَد الضَّلال - أنَّ الفَهْم عن الله والتفكُّر والتدبُّر والفقه لآياته وسُنَّتِه ومعرفة شرائعه من كِتابه وعن رسوله - قاصِرٌ على أفراد قلائل، هم الذين ينبغي أن يكونوا الشُّيوخ السَّادة، ورُعاة هذه القطعان من أشباه الإنسان، وإنَّ هذه القطعان لا بدَّ أن يكونوا مُقَلِّدين؛ لأنَّهم مَحْرومون في أَصْل خَلْقِهم من كلِّ أسباب الفهم والتفكُّر، ولا ينبغي لَهم - ليكونوا متدينين بما يرجون به النجاة من عذاب الله وغضبه - إلاَّ أن يكونوا مقلِّدين عميًا وبكمًا وصُمًّا، لا يعقلون شيئًا، ولا يفقهون حديثًا، وإنَّما ينقادون بدون وعْي ولا تعقُّل، وينساقون وسط القطيع وراء كلِّ ناعق من أولئك السَّادة والرُّؤساء الذين اصطنعوا الدِّين واحترفوه حرفة.