وكان ذلك أحقَّ شيء وأجْدَرَه أن يَحْمِل الجميع على الْمُسارعة إلى الإيمان بِهم، وطاعتهم واتِّباعهم، لو سَلِم النَّاس من التشيُّع والتحزُّب، ولو خلصت نفوسهم وقلوبهم من أغلال التَّقليد الأعمى، والعصبيَّة الحمقاء للسَّادة والرُّؤَساء، ولكن ذلك لم يكن، بل كان عكس ذلك ونقيضُه، انقلبت المَحبَّة البالغة للأنبياء؛ لما كان من بِرِّهم وبَذْلِهم ونفْعِهم المادِّي لَهم، عداوةً تَأْكُل القلوبَ، وتُؤَجِّج فيها نار البَغْضاء والْمَقت لأولئك الصَّفْوة من أرحم عباد الله بالنَّاس، وانقلَبَت الْمُلازَمة لَهم والْمُسارعة إليهم لفَضِّ خصوماتهم وإطفاء شُرورهم - بالْجَفاء المقيت، وتحذير العامَّة وتنفيرهم من الدنوِّ منهم، والاستماع إلى ما أُوحِيَ إليهم من الْهُدى والرَّحْمة، وتشويه ما جاؤوا به من العِلْم والحكمة، وتقبيح ما تفضَّل الله به على ألسنتهم من الخَيْر والرَّشاد، والصَّلاح والاستقامة؛ ذلك لأنَّهم جاؤوا واختارهم الله لإِنْقاذ النَّاس من الدجَّالين الذين عَلَوا بالفساد على أشْلاَء العُقول بعد أن مزَّقوها وقتلوها بالْجَهالة والتَّقليد شرَّ مُمَزَّق، جاؤوا لإِحْياء هذه العقول الميتة، وإخراجها من أكْفَان الطَّاعة العَمْياء للنَّاس، والاستسلام الذليل للأوهام والخرافات التي نشَرها مُحْتَرِفو الدِّين الزَّاعمون أنَّهم وُكَلاء الله في الناس، والحفَظَة على عباده، والوُسَطاء الذين على أيديهم - وعلى أيديهم وَحْدهم - تَرْتَفِع إلى الله الأعمال والطَّاعات، فلا تُفتح أبواب السماء إلاَّ بأمرهم، ولا يُرْجَى لِعَملِ عاملٍ قبولٌ إلاَّ برِضَاهم وبِرَأْيِهم، وعلى مَذْهبهم وطريقتهم، ولا يُنتَظر للنَّاس من خير ولا نَفْع في الدُّنيا والآخرة إلاَّ بسياستهم وبأمرهم، فهم - في زَعْمِهم، وزَعْم أتباعهم وشيعتهم الطَّغَام - وُزَراء الله ومستشاروه، وهم شُرَكاء الله ومساعدوه، سبحانَ ربِّنا وتعالى عن ذلك علُوًّا كبيرًا"اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" [التوبة: 31] "أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ" [الشورى: 21] "وَالَّذِينَ"