ثم اقتضت رحمةُ الله الرَّحْمن الرحيم أن يتعهَّد الإنسان في كلِّ مدَّة من الزَّمَن بأن يرسِل إليه رسولاً، يُوحي إليه من العلم والهُدَى ما يَكْشف غواشِيَ الجهل والْهَوى والشَّهوات والزُّور، التي ينشرها إبليس وحِزْبه بين الناس فيعميهم عن حكمة الله ورَحْمَتِه فيما آتاهم، فيكفرون بالآيات والسُّنَن والنِّعَم، ويضعونها في غير موضعها، ويتعدَّون الحدود، ويغيِّرون خَلْق الله، فيُفْسِدون في الأرض التي جعلهم خُلَفاءَه فيها؛ لِيُصلحوا فيها، ويتَّخذون من دون الله الأولياء والأَنْداد، فيُنْذِرهم الرُّسلُ عواقِبَ ذلك البغي والفساد، ويبشِّرون المؤمنين الذين يفيئون إلى الرُّشد والحِكْمة فيعملون الصالحات أنَّ لهم أجرًا كبيرًا في الدُّنيا والآخرة.
ولا تَبْتغي الرُّسل من النَّاس على ذلك أجرًا، ولا تَرْجو من وراء هدايتهم وإنابتِهم إلى ربِّهم، وإسلامِهم له، إلاَّ الخيرَ لَهُم، وسعادةَ الدُّنيا والآخرة، و عفْوَ الله ورَحْمتَه، ونشأ أولئك الرُّسُل في قومهم أبْعَد النَّاس عمَّا في أيدي الناس، وأعفَّهم عن دُنيا الناس الكاذبة الخادعة بِزَخْرفتِها ورِياستها الطَّاغية، وزينتها المُفْسِدة، وأَصْدقَهم في الشَّفقة والرَّحْمة بالناس، وأبَرَّهم بِهم، يَبْذلون لهم كُلَّ ما آتاهم الله من رشد وحِكْمة، ومال وقوَّة في صلاحهم وإصلاحهم الناس، لا يُفَرِّقون بين قريب وبعيد، حتى إذا اختارهم الله لم يَجْرُؤ أحدٌ أن يَتَّهِمهم بِحُبِّ الرِّياسة، ولم يستطع أحدٌ أن يَظُنَّ فيهم الرَّغبة في مالٍ أو شيء من دُنْيا سادَتِهم ورؤسائهم، التي ملَكَت عليهم قلوبَهم، فعَبَدوها من دون الله، واستَعْبَدوا من أجْلِها عباد الله، وتَمرَّدوا في مَرْضاتِها على آيات الله وسُنَن الله وشرائع الله، كان كلُّ ذلك وأعظم منه - مِمَّا لا نستطيع التَّعبير عنه - بارزًا جليًّا في رسل الله - عليهم الصلاة والسلام - بحيث لا يَخْفى شيءٌ منه على واحد من قومهم؛ لا رئيس ولا مرؤوس، ولا رجل ولا امرأة.