أخي، أخا الصِّدق والإيمان، آمِنْ بحكمة الله الذي حَفِظَ القرآن كما آمنتُ، فتدَبَّرْه كلَّما تلَوْتَ وكما تدبَّرْتُ، تَذُق من حلاوته وعذوبتِه ما ذُقْتُ، وتَعْرِفْ مِن هُداه ما عرفْتُ، وتشعر من سعادة الحياة ونعمة الإنسانية بما شَعرتُ، وتزدَدْ كلَّ يوم فِقْهًا في القرآن كما ازدَدْت، فواللهِ ما عرَفْتُ حلاوة الإيمان إلاَّ مِن يوم آمَنْتُ بحكمة الله في حفْظِ القرآن لي ولَك، ولمن يأتي بعدي وبَعْدك، وما عرَفْتُ إنسانيَّتِي ونِعْمةَ الله عليَّ إلاَّ مِن يوم أخذْتُ القرآن بِجِدٍّ وقوَّة، وقلَّبْتُ كلماته على وجوهِها، تقليب المريض المُشْرِف على الهلاك يَطْلب عافيته وشفاءه، وفلَيْتُها فَلْي الجائع النَّهِم يَرْجو قُوتَه وغِذَاءَه، فأخرج الله لي كُنوزَها النَّفيسة التي ليس في الوجود كلِّه ما يُدانيها في النَّفاسة. ولا عرَفْتُ فضْلَ الله عليَّ في رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلاَّ مِن يوم تدبَّرْتُ القرآن وتفقَّهْت فيه، فعرَفْت هدْيَ رسول الله، وأدَبَ رسول الله، ورسالة مُحَمَّدٍ عبْدِ الله ورسوله، وما أحببْتُ اللُّغَة العربية وحرَصْتُ على الاستزادة من حُبِّها والتضلُّع منها إلاَّ من يوم ذُقْت حلاوة القرآن، وعذب على قلبي مورِدُه السَّلسبيل، فأخذت أَرِد وأَكْرَعُ، وأَرِد وأكْرَع، زادني الله وإيَّاك من نَمِير هذا المَوْرد الذي لا تَشْبع منه قلوبُ المؤمنين بالله وآياته، ونعمتِه وحِكْمته، إلاَّ حين تَرِدُ الحوض المَوْرود على عَبْدِ الله ورسوله، فتشرب شربة لا تَظْمأ بعدها أبدًا.
وأسأل الله الكريم ربَّ العرش العظيم أن يَجْعلنِي وإيَّاك مِن الذين يُؤْمِنون بالله وكتابِه ورسوله، الذين يَتْلون كتاب الله حقَّ تلاوته، فلا يعرفون عقيدة إلاَّ منه، ولا خُلقًا ولا أدبًا، ولا عبادة ولا حُكْمًا إلاَّ مِنْه، ولا إمامًا يَقْتدون به إلاَّ عبْدَ اللهِ ورسولَه مُحمَّدًا خاتَم المُرْسَلين - صلَّى الله عليه وعلى آله، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.