وكذلك حفظ الله الذِّكر الحكيم بأسباب وأنواع لا يُحْصِي عدَّها إلاَّ هو سبحانه، فقد حَفِظ صورته - وهي السُّوَر والآيات، والكلمات والحروف، وإعرابُها وضبْطُها وحركاتها - مِن التزيُّد فيها أو التنقُّص، أو التَّقديم أو التأخير على مرِّ الدُّهور والأَعْصار، وعلى كثرة القارئين والكاتبين، واختلاف مذاهبهم ومشاربِهم؛ من مُؤْمن وكافر، ومُلْحِد وزِنْديق، ومُحِبٍّ للقرآن، وعدوٍّ له يتمنَّى بِجَدْع الأنف أنْ لو ذهَب هذا القرآنُ، وانطفأ نوره من هذا الوجود، فلقد كان أوَّل ما أخرجت مطبعة روما - قَلْب النَّصرانية الكافرة - باللُّغة العربيَّة: المصحف، والإنجيل، وكان بِحِفْظ الله طِبْقَ المصاحف التي كتَبَها المؤمنون بالقُرْآن في أوربا النَّصرانيَّة، فما تَبَدَّل منه حرفٌ ولا حركة، أمَّا الإنجيل كتابهم، فإنَّك لا تكاد تَجِد منه طبعة موافِقَة للأُخرى، بل في كلٍّ منها فروقٌ واختلافات عن أخواتِها، بل إنَّهم ليَزِيدون فيه ويُنْقِصون عامِدين، كلَّما عَنَّ لهم ذلك، لكنَّ المصحف تَأْخُذ منه ما طُبِع في الْهِند والأستانة، والْمَغرب ومصر والعراق، وغيرِها من البلاد، فتجدها جميعًا على حرف واحدٍ بحمد الله.