لذلك يقول الله لهم في أقوى تأكيد:"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" [الحجر: 9] و"نَحْنُ"ضمير العظَمة والكِبْرياء؛ يقول - جلَّ ثناؤه: إنِّي أنا الله ربُّ العالَمين، ومَلِكُ السَّموات والأرض، وما فيهما وما وراءَهُما، إنِّي أنا الله الكبير المُتَعال، إنِّي أنا الله القاهر فوق عبادِه الحَكِيم الخبير، إنِّي أنا الله الذي اصْطَفَيْتُ هذا العبد الذي ما حقَّق العبوديَّةَ على وجه الأرض، وأعطى الرُّبوبية حقَّها أحدٌ من النَّاس مِثْلَ ما حقَّق وأعطى"وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ" [الأنعام: 124] وليس بِدْعًا من الأمر أنْ أَصْطفِيَه وأُرْسِله رحْمَة للعالَمين، فمِن قَبْلِه أرسلتُ كثيرًا مِمَّن تأهَّلوا تحقيق العبوديَّة، وتَمْجيد الرُّبوبية، واليقظة التامَّة بالتفكير في آيات الله، فآمَنُوا بِسُنَن ربِّهم، وأذعَنوا لربوبيَّته وحِكْمته، فسَلُوا أنفُسَكم عن رسالة إبراهيم وإسماعيل اللَّذَيْن كفَرْتُم بهما، واتَّخَذْتُموها أوثانًا، وقد كانا يُحَطِّمان الأوثان، ويَدْعُوان إلى عبادة الله وحده بما أحبَّ وشرَع، لا بِمَا ابتدع لكم أربابُكم وشيوخُكم من عبادات، هي الكُفْر والاستهزاء بالله وآياته، واللَّعِب بِسُنَّته وحكمته ورحمته.