"وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"الضَّمير في"لَهُ"إما للذِّكر الحكيم، أو لِعَبد الله ورسوله المُنَزَّل عليه الذِّكر، والله تعالى قد حَفِظ عبْدَه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وحَفِظ الذِّكر المُنَزَّل عليه بجميع أنواع الحفظ؛ فهو - جلَّ ثناؤه - قد حفظ عبودية عبده في جميع أطواره منذ نشأته إلى أنْ رفَعه الله إلى الرَّفيق الأعلى، بِأَبِي هو وأمِّي - صلى الله عليه وسلم - فلم يَقْدر الشيطان أن يَمسَّه بِذَرَّة من غفلة الجاهليَّة وبلادتِها، وتقاليدها وعاداتها، وتكذيبها الله وآياته ووثنيَّتها، فما مسَّت يدُه يومًا من الأيَّام خشبة ولا حجَرًا، ولا نُحاسًا ولا شجرة للتبَرُّك، ولا جَرى على لسانه يومًا من الأيَّام اسْمُ واحد من أوليائهم ومقدَّسيهم إلاَّ ساخرًا مستهزئًا، ولا ذاق يومًا من الأيام طعامًا صُنِع باسْمِ أوليائهم ومقدَّسيهم، ولا حضر يومًا من الأيام عيدًا ولا مَوْلدًا مما كانوا يقيمون لأوليائهم ومقدَّسيهم على كَثْرتها المُغْويات لِسُفَهاء الأحلام فيها، ولا شَهِدَ ليلة من ليالي رعوناتِهم وفسقهم وجَهْلِهم، ولا شاركَهم في صلاة من صلواتهم الصوفيَّة [1] التي كانت على مثال ما يَجْتمع له صوفيَّة اليوم من الرَّقص والْمُكاء والتَّصْدية الذي يزعمونه زُورًا وبُهْتانًا حلقاتِ ذِكْر، ولا غفَلَ يومًا عن آيات الله وسُنَّتِه الحكيمة، ونِعَمِه الكريمة في نَفْسِه وحَواسِّه، وفي الآفاق مِن حولِه.
فمِن ساعةِ عَقِل - وقد عقل في سنٍّ كان غيره فيها وفيما بعْدَها بكثير طفْلاً سفيهًا - عَرَف نعمة الله في يَدِه ورِجْله، وسَمْعه وبصره، فشَكَر كُلَّ ذلك، وسبَّح ربَّه أن يكون خلَق شيئًا منه وأنعَم به عبثًا ولعبًا باطلاً، فأبَى أن يكون شيءٌ من ذلك مُعطلاً عن العمل الجادِّ النافع لنفسه ولأهله وللناس، فكان عاملاً أصلح الأعمال بيديه ورجله وكلِّ حواسِّه، مُحْسنًا في الانتفاع والنَّفع بكل ما أعطاه الله من نعم.