وهم يَعْرفون جيِّدًا أنَّ لِمُحمَّد مكانةً في نُفوس الناس ساميةً؛ لِمَاضيه الكريم الذي حَمَل السَّادة والأَتْباع ألاَّ يَدْعوه إلاَّ بالأمين، وهم قد عَلِموا أنَّ رَمْيهم إيَّاه بالكذب لم يَجِد في نُفوس العامَّة قَبُولاً، بل وجدوا منهم استهجانًا واشْمِئزازًا، وإنْ كانوا لم يَقْدروا أن يُصَرِّحوا؛ لِمَا غلب عليهم من الْمَهانة في أنفُسِهم، والاستكانة لأولئك السَّادة المُتَحكِّمين بالبَغْي والاستكبار؛ فلَمْ يَبْق إلاَّ أن يقولوا:"إنَّ الذي ألقى إليه هذا القولَ، وأنطقَه بهذه الحِكْمة هو الشَّيطان، وشأنه في ذلك شأن غيره من الشُّعَراء والقوَّالين، ومِن ثَمَّ كانوا حين يُعْجِزهم إسكاتُ مُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - ومَنْعِه من تبليغ رسالة ربِّه، يَقُولون لبعضهم على سبيل التَّسلية لأنفُسِهم، وتَهْوين شأنه الذي يُزْعِجهم ويُخِيفهم من هَوْل ما هم قادمون عليه حينما تَنْجَح دعوته، ويَقْبَل النَّاس رسالتَه:"إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ" [المؤمنون: 25] "وَيقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ" [الطور: 30] فيقول الله متحدِّيًا:"قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى" [طه: 135] "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ" [الشعراء: 227] ."