ولذلك نجد الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يتأكد من مهمته ؛ أخذته زوْجه خديجة بنت خويلد رضي الله عنها عند ورقة بن نوفل ؛ وعرف ورقة أنه سَيُؤذَى ، وقال ورقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ليتني أكون حياً حين يُخرِجك قومك . فتساءل الرسول صلى الله عليه وسلم: أمُخرِجِيّ هُم؟ قال ورقة: نعم ، لم يأت رجل بمثل ما جئتَ به إلا عُودِي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً .
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يصحب نزول الرسالة أن يُحصِّنه ضد ما سيحصل له ، ليكون عنده المناعة التي تقابل الأحداث ؛ فما دام سيصير رسولاً ، فليعلم أن الطريق مَحْفوف بالإيذاء ، وبذلك لا يُفاجأ بوجود مَنْ يؤذيه .
ونحن نعلم أن المناعة تكون موجودة عند مَنْ وبها يستعد لمواجهة الحياة في مكان به وباء يحتاج إلى مَصْل مضاد من هذا الوباء ؛ لِيقيَ نفسه منه ، وهذا ما يحدث في الماديات ، وكذلك الحال في المعنويات .
ولهذا يُوضِّح سبحانه هذا الأمر لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولتزداد ثقته في الحق الذي بعثه به ربُّه ، ويشتدّ في المحافظة على تنفيذ منهجه .
والاستهزاء كما نعلم لَوْنٌ من الحرب السلبية ؛ فهم لم يستطيعوا مواجهة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجد ، ولا أنْ يردّوا منهجه الراقي ؛ لذلك لجئوا إلى السُّخْرية من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تنفعهم سخريتهم في النَّيْل من الرسول ، أو النَّيْل من الإسلام وفي هذا المعنى ، يقول لنا الحق سبحانه عن مصير الذين يسخرون من الرسول صلى الله عليه وسلم:
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) }
و"سلك الشيء"أي: أدخله ، كما نُدخِل الخيط في ثقب الإبرة .
والحق سبحانه يقول: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين} [المدثر: 42 - 43]
أي: ما أدخلكم في النار ؛ فتأتي إجابتهم: {لَمْ نَكُ مِنَ المصلين} [المدثر: 43]