وهنا يقول الحق سبحانه: {كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين} [الحجر: 12]
أي: كما سلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء في قلوب شيع الأولين ، كذلك نُدخِله في قلوب المجرمين .
يعني: مشركي مكّة ، لأنهم أدخلوا أنفسهم في دائرة الشرك التي دعتهم إلى هذا الفعل ، فنالوا جزاءَ ما فعلوا مثل ما سبق من أقوام مثلهم ؛ وقد يجد من تلك القلوب تصديقاً يكذبونه بألسنتهم ، مثلما قال الحق سبحانه: {وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ...} [النمل: 14]
فهم أمة بلاغة ولغةٍ وبيانٍ ؛ وقد أثّر فيهم القرآن بحلاوته وطلاوته ؛ ولكنه العناد ، وها هو واحد منهم يقول:
"إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لَمُثمِر ، وإن أسفله لمغدق".
لقد قال ذلك كافر بالرسول والرسالة .
ونعلم أن الذين استمعوا إلى القرآن نوعان ؛ والحق سبحانه هو القائل عن أحدهما: {وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16]
أي: أن قوله لا يعجبهم وما يتلوه عليهم لا يستحق السماع ، فقال الحق سبحانه رداً عليهم: {... قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [فصلت: 44]
وهي مسألة كما أقول دائماً تتعلق بالقابل الذي يستقبل الحدث ؛ إما أنْ يُصفِّي قلبه ليستقبل القرآن ؛ وإما أنْ يكون قلبه والعياذ بالله مُمْتلِئاً بالكفر ، فلا يستقبل شيئاً من كتاب الحق .
وقد حدث أن ادخل الحق سبحانه كتبه السماوية في قلوب الأقوام السابقة على رسول الله ، ولكنهم لفساد ضمائرهم وظُلْمة عقولهم ؛ سخروا من تلك الكتب ، ولم يؤمنوا بها .
ويَصِف الحق سبحانه هؤلاء المجرمين بقوله: {لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ ...}